القرطبي

82

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

تصنعه ، فقال : ( عمدا صنعته يا عمر ) . فلم سأله عمر واستفهمه ؟ قيل له : إنما سأله لمخالفته عادته منذ صلاته بخيبر ، والله أعلم . وروى الترمذي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة طاهرا وغير طاهر ، قال حميد : قلت لانس : وكيف كنتم تصنعون أنتم ؟ قال : كنا نتوضأ وضوءا واحدا ، قال : حديث حسن صحيح ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( الوضوء على الوضوء نور ) فكان عليه السلام يتوضأ مجددا لكل صلاة ، وقد سلم عليه وجل وهو يبول فلم يرد عليه حتى تيمم ثم رد السلام وقال : ( إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر ) رواه الدارقطني . وقال السدي وزيد بن أسلم : معنى الآية " إذا قمتم إلى الصلاة " يريد من المضاجع يعني النوم ، والقصد بهذا التأويل أن يعم الاحداث بالذكر ، ولا سيما النوم الذي هو مختلف فيه هل هو حدث في نفسه أم لا ؟ وفي الآية على هذا التأويل تقديم وتأخير ، التقدير : يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة من النوم ، أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء - يعنى الملامسة الصغرى - فاغسلوا ، فتمت أحكام المحدث حدثا أصغر . ثم قال : " وإن كنتم جنبا فاطهروا " فهذا حكم نوع آخر ، ثم قال للنوعين جميعا : " وإن كنتم مرضى أو على سفر فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا " [ النساء : 43 ] . وقال بهذا التأويل محمد بن مسلمة من أصحاب مالك - رحمه الله - وغيره . وقال جمهور أهل العلم : معنى الآية إذا قمتم إلى الصلاة محدثين ، وليس في الآية على هذا تقديم وتأخير ، بل ترتب في الآية حكم واجد الماء إلى قوله : فاطهروا " ودخلت الملامسة الصغرى في قوله " محدثين " . ثم ذكر بعد قوله : " وإن كنتم جنبا فاطهروا " حكم عادم الماء من النوعين جميعا ، وكانت الملامسة هي الجماع ، ولا بد أن يذكر الجنب العادم الماء كما ذكر الواجد ، وهذا تأويل الشافعي وغيره ، وعليه تجئ أقوال الصحابة كسعد بن أبي وقاص وابن عباس وأبي موسى الأشعري [ وغيرهم ] ( 1 ) . قلت : وهذان التأويلان أحسن ما قيل في الآية ، والله أعلم . ومعنى " إذا قمتم " إذا أردتم ، كما قال تعالى : " فإذا قرأت القرآن فاستعذ " ( 2 ) [ النحل : 98 ] ، أي إذا أردت ، لان الوضوء حالة القيام إلى الصلاة لا يمكن .

--> ( 1 ) من ج وك وز . ( 2 ) راجع ج 10 ص 174 .